محمد بن أحمد الفرغاني

53

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

وجزئيّاته لكمال ظهور كلّيتي وجمعيتي ، حينئذ كيف يلحقني في جميع مدركاتي ريبة منتشئة من أحكام الأشباه والأمثال مع تيقّني بمقتضى حقيقة كل شيء ، ومقتضى حقيقة شبهه ومثله ، ومن أين تنتشىء الشبهية والمثلية بينها ؛ لا جرم لا شبهة تعتريني في شيء مما أدركها لا من حيث الجوهر والعين ؛ كالندّ والضدّ ، ولا من حيث الكمية المكانية ؛ كأين أو الزمانية ؛ كمتى ، ولا من حيث التعدّد في النسب والاعتبارات الذاتية ؛ كالتفرقة الواقعة في العدد والمعدود حال كون شهودي من حيث حضرة الجمع - أعني أحدية الجمع - التي هي مقامي لا يكون إلا عين تيقّن ، أي علم ذاتي وحداني لا يحصل الاطمئنان الحقيقي إلّا به . وقوله : ولا وجهة والأين بين تشتّتي ، أي : ولا وجهة معينة مقيّدة في توجّهي إلى هذه الحضرة الأحدية الجمعية ؛ لأنه لمّا كانت الأزمنة والأمكنة المعيّنة لحكم الأينية تفرقة حاصلة من ظهور بينيّة ومغايرة وغيريّة مضافة إلى التميز بين الأشياء وبين كل زمان وزمان ، وبين كل مكان ومكان ، والأشياء جميعها والأزمنة والأمكنة كلّها في نظري شيء واحد بلا تفرقة وتشتّت غيرية بينها والوجهية المعينة تقتضي تفرقة بين ما يتوجّه النسبة في تلك الوجهة ، وبين ما يتوجّه إليه بوجهة أخرى ؛ لا جرم لم تكن الوجهة المعيّنة المختصّة بجهة واحدة مضافة إليّ ، بل فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : الآية 115 ] مختصّ بذوقي وحالي ومقامي . ولا عدّة ، والعدّ كالحدّ قاطع ولا مدّة ، والحدّ شرك موقّت يعني : لا عدد مضاف إلى نسب ذاتي وصورها كلّها في نظري وشهودي من حيث مقامي الأحدي الجمعي حال كون العدّ قاطعا ومفرّقا بين كل عدد وعدد ، وكل معدود ومعدود ، فإن الاثنين يقطع ويفرق بين الثلاثة والأربعة ويحكم بالمغايرة بينها ؛ كالحدّ القاطع والمفرّق بين كل محدود ومحدود ، ولا مغايرة ولا غيرية ولا قطع ولا فرق في نظري وشهودي من حيث مقام أحدية جمعي ، فلا عدّة عندي ولا مدّة في نظري وشهودي حال كون الحدّ بين كل مدة ومدة شرك في وجود مدّتين مضاف إلى من يعين الوقت والزمان المعيّن ، مثل أن يقول : إن مدة سلطنة ألب أرسلان « 1 » كانت اثنتي عشرة سنة ، فعيّن هذا الوقت بتعيينه المدة وبتوقيته لألب أرسلان شريكين في سلطنته ودولته شريكا فيما تقدم ، وشريكا فيما تأخر عن

--> ( 1 ) أحد سلاطين السلاجقة .